مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
227
تفسير مقتنيات الدرر
من « الكتاب » هو المنزل المقروء ، والمراد من « الحكمة » هو الوحي الوارد بالتكاليف المفصّلة الَّتي لم يشتمل ظاهر الكتاب عليها . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 83 ] أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّه ِ يَبْغُونَ وَلَه ُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْه ِ يُرْجَعُونَ ( 83 ) . ولمّا بيّن سبحانه في الآية الأولى أنّ الإيمان بمحمّد شرع شرّعه اللَّه وأوجبه على جميع من مضى من الأنبياء لزم أنّ كلّ من كره ذلك فإنّه يكون طالبا دينا غير دين اللَّه فلهذا عبّر بهذه الآية * ( [ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّه ِ يَبْغُونَ ] ) * وقرئ « تبغون » بالخطاب والخطاب لليهود ، فالميثاق لمّا كان مذكورا في كتبهم على لسان رسلهم فقد كانوا عالمين وعارفين بصدق الرسول الأمّيّ فلم يبق لجحودهم نبوّته صلَّى اللَّه عليه وآله سوى العناد . فقال سبحانه : أيتولَّون غير دين اللَّه ويطلبونه * ( [ وَلَه ُ أَسْلَمَ ] ) * أي للَّه أخلص وانقاد * ( [ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ ] ) * أي أهلهما . فإن قيل : إنّ الكافر ما أسلم له فالجواب : أنّ المسلمين أسلموا له طوعا والكافر أسلم له كرها عند موته ضرورة كما قال سبحانه « فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا » « 1 » . وقيل : المراد من قوله : « أسلم » أي خضع وانقاد كما فسّرنا فخضوع كلّ من في السماوات والأرض للَّه بيانه : أنّ كلّ ما سوى اللَّه منقاد خاضع للَّه في طرفي وجوده وعدمه وهذا هو نهاية الانقياد فكلّ ما سواه لا يوجد إلَّا بتكوينه ولا يفنى إلَّا بإفنائه سواء كان عقلا أو نفسا أو روحا أو جسما أو جوهرا أو عرضا أو فعلا أو فاعلا . ونظيره في الدلالة على هذا المعنى : « وَلِلَّه ِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ » « 2 » وكذلك « وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ِ » « 3 » وليس لأحد الامتناع عليه سبحانه في مراده فالمسلمون الصالحون ينقادون للَّه طوعا فيما يتعلَّق بالدين وينقادون له كرها فيما يخالف طباعهم من المرض والفقر والموت وأشباه ذلك والكافرون عند موتهم ضرورة . وقال الحسن : الطوع لأهل السماوات خاصّة وأمّا أهل الأرض فبعضهم بالطوع وبعضهم بالكره .
--> ( 1 ) غافر : 85 . ( 2 ) الرعد : 15 . ( 3 ) الإسراء : 44 .